أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

214

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- والذي أراه أن ابن الرومي أبصر بحبيب وغيره منا ، وأن التسليم له والرجوع إليه أحزم ، غير أنى لو شئت أن أقول - ولست رادّا عليه ، ولا معترضا بين يديه - إن المعنى الذي أراده ، وأشار إليه من جهة الطائي إنما هو معنى الصنعة كالتطبيق ، والتجنيس وما أشبههما ، لا معنى الكلام الذي هو روحه ، وإن اللفظ الذي ذكر أنه لا يبالي به إنما هو فصيح الكلام ومستعمله ، ويدلك على صحة ما ادعيته / على ابن الرومي قوله : « إن الحافر الوأب ، والمقعّب أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر » ، فكلامه راجع إلى ما قلته في الطائي ، غير مخالف له ، وإن كان في الظاهر على خلافه ؛ « 1 » لينساغ ذلك ، إلا أن أكثر الناس على ما قال ، وإنما هذا معرض للكلام ، لا مخالفة « 1 » . - قال « 2 » الجاحظ « 3 » : كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميّا ، ولا ساقطا سوقيّا ، فكذلك لا ينبغي أن يكون وحشيّا ، إلا أن يكون المتكلم به بدويّا أعرابيا ؛ فإن الوحشىّ من الكلام يفهمه الوحشىّ من الناس ، كما يفهم السوقىّ رطانة السوقي . قال « 4 » : وأنشد رجل قوما شعرا ، فاستغربوه ، فقال : واللّه ما هو بغريب ، ولكنكم في الأدب غرباء . - وعن غيره : أن رجلا قال للطائى في مجلس حفل ، وأراد تبكيته لما أنشد : يا أبا تمام ، لم لا تقول من الشعر ما يفهم ؟ فقال له : وأنت لم لا تفهم من الشعر ما يقال ؟ ففضحه . ويروى أن هذه الحكاية كانت مع أبي العميثل « 5 » وصاحب له ، خاطباه ، فأجابهما .

--> ( 1 - 1 ) ما بين الرقمين ساقط من ص ، وفي ف : « لساغ » : واعتمدت ما في المطبوعتين والمغربيتين . ( 2 ) في ف والمطبوعتين فقط : « وقال » . ( 3 ) انظر هذا القول في البيان والتبيين 1 / 144 ، مع اختلاف يسير بالزيادة أو بالحذف . ( 4 ) لم أعثر على هذا القول عند الجاحظ . ( 5 ) في م : « مع أبي العميثل وصاحبين له . . . » ، وقد وهم المحقق فظن أن الصاحبين قالا لأبى العميثل ! -